علم وخبر : 199/1970

المحتوى   
نشاطاتنا:

 كلمة الدكنور هاني رعد في حفل اعلان نتائج المسابقة الثقافية للعام 2015-2016

 

                                                     

كلمة الدكنور هاني رعد في حفل اعلان نتائج المسابقة الثقافية للعام 2015-2016   

التحكيم تجربة صعبة ومحبّبة

                                                                                     د. هاني رعـد

     إنها تجربة حقيقيّة غنيّة ممتعة نعيشها في التحكيم. يعيشها المتبارون والمحكّمون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم. قد يرضى المتبارون بالنتائج أحيانا، وبعض آخر لايرضى، أما المحكّمون، أظنهم غالبا غير راضين، لا لما يبدو من تباين بين رأي هذا ورأي ذاك منهم، بل للتباين بين الرأي والرأي ذاته أحيانا! إن ما يرضينا اليوم قد لا يرضينا غدا أو لم يكن يرضينا بالأمس. فلماذا نختلف الآن في ما كنا عليه متّفقين؟ ولماذا قد نختلف غدا في ما نحن عليه اليوم مجمعون؟... حتى مطلع القرن الماضي ظلّ الأمر كأنه لقيط في عالم المعرفة والوعي، وموضع نقاش وجدل فاتهامات وإدانات كثيرا ما أدّت إلى حروب.

         جاء آينشتاين وبحث وجرّب واكتشف ووضع نظريّته في النسبيّة، فقوّض الكثير من المفاهيم والنظريّات العلميّة التي كانت سائدة وتبدو كأنها ثابتة. تتالت الاكتشافات وتسارع التقدّم العلميّ والتقنيّ بما أدهش ولا يزال يزيد في دهشة العالم، في مجال القياسات الفلكيّة اللامتناهية في الكبر كما في القياسات الذريّة اللامتناهية في الصغر، لكنّ الحروب ازدادت شراسة. فهل النسبيّة مسؤولة؟ أم كما قال المتنبّي يوما:

                     كلّما انبت الزمان قناة                      جعل الناس للقناة سنانا

         النسبيّة ليست إعجازا لا يدركه إلا الضالعون في الاختصاص، بل هي ذات وجه جميل بمنتهى البساطة والروعة. فالأبعاد والمسافات والسرعات ذاتها مثلا، تختلف باختلاف المكان والزمان. حركة نقيسها في مكان ثابت وزمان ثابت، تأتي النتيجة وكأنها رقم ثابت، فإذا تغيّر المكان، ربّما اختلفت النتيجة. وأعطي مثالا لطالما ضرب في الموضوع، هو: إذا سار رجل بسرعة خمسة كيلومترات في الساعة داخل مقطورة في قطار ينطلق بسرعة مئة كيلومتر في الساعة، وهناك شخص آخر جالس في المقطورة، وثالث واقف على الرصيف خارج القطار، فإن سرعة الرجل المتحرّك في المقطورة بالنسبة لمن هو جالس فيها هي خمسة كيلومترات في الساعة كما ذكرنا. هذه السرعة نفسها تساوي مئة وخمسة كيلومترات في الساعة بالنسبة للرجل الواقف على الرصيف خارج القطار، لأنها تساوي سرعة الرجل المتحرّك يضاف إليها سرعة القطار. هذا إذا كان الرجل المتحرك يسير في الاتجاه الذي يسير فيه القطار، أما إذا كان يتحرك في الاتجاه المعاكس، تصبح السرعة تساوي سرعة القطار مطروح منها سرعة الرجل المتحرّك، أي خمسة وتسعون كيلومترا في الساعة. قراءات وأجوبة مختلفة في وصف، أو قياس السرعة للحركة ذاتها. فهي خمسة، وهي مئة وخمسة، وهي خمسة وتسعون كيلومترا في الساعة، وكلها أجوبة صحيحة بأرقام دقيقة، لكن اختلافها متعلّق بمكان من يرصدها. أيّ أنّها نسبيّة.

         آينشتاين لم يبتدع منهجا في البحث العلميّ، ولم يغيّر في هذا المنهج القائم على: الملاحظة، فالتجربة، فالنظرية، بل أضاف إليه ضرورة الأخذ بالاعتبار، في التجربة العلميّة وفي النتيجة، أن ما تدركه الحواسّ وما تسجّله أجهزة القياس على أنه ثابت، إنما هو في الواقع متغيّر، فلا وجود لما هو ثابت، والنتائج هي دائما نسبيّة. وبعدما كانت مجهولة أو غير ذات هويّة، صارت النسبيّة على كل شفة ولسان، ولا تكاد تستبعد في أيّ نقاش علميّ أو فكريّ أو فنيّ.

         قد أبدو أنّني شططت عن الموضوع! لا، بل أراني في صلبه. فقد ينكر أحد أن تنال مسابقة ما، علامة معيّنة لدى أحد المحكّمين، وتنال علامة مختلفة لدى آخر، هذا كثيرا ما يحدث. لكن السؤال الكبير هو: كيف تنال المسابقة نفسها علامة معيّنة، ثم في قراءة ثانية، تبتعد هذه العلامة عما كانت عليه لدى المصحح نفسه؟! هل في ذلك علاقة بالزمان؟ أليس في ذلك علاقة بين قراءة أولى، نقيس فيها بمقياس معيّن، وقراءة ثانية جاءت بعد الإطّلاع على مسابقات أخرى، نقيس فيها بمقياس آخر؟... تأتي النسبيّة هنا على مستوى مختلف، إنها هنا على مستوى وعي العلاقة بالآخر وبالمحيط. لذلك كانت لنا قراءات متعدّدة للمسابقات، وأكثر من جلسة للتحكيم.

         هذا بعض ما يواجهنا دائما في التحكيم، أحببت أن أنقله إلى أبنائنا الطلاب، رغبة بنقل التجربة والعبرة. فلا نأخذ المواقف على اعتبار أنّ ما نعرفه هو حقيقة ثابتة، إنّ الحقائق التي نمتلكها، كلّها نسبيّة، فالحقائق الثابتة لا وجود لها حتى اليوم، وبالتالي لا يمكن أن تكون بحوزة أيّ طرف. قال الإمام الشافعي منذ أكثر من ألف ومئتيّ سنة (767م.- 820م.):

                     "إن رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

         هكذا، من أجل أن نبني مجتمعا صحيحا متماسكا متينا، علينا أن نتسلّح بالمعرفة المتعمّقة، وأن نؤمن بنسبيّة الحقيقة، ونستند إلى مقولة احتمال ورود الخطأ لدينا، أيّا كنّا نحن، واحتمال الصواب لدى الآخر، أيّا كان الآخر، وأن نتأكّد دائما من وجود أكثر من ناقد كفوء يترصّدنا، ونأخذ على محمل الجدّ ما يقول. هكذا فقط يمكننا أن نوطّد فيما بيننا علاقات جدليّة مجتمعيّة إيجابيّة، أكثر انتاجيّة وأكثر عمقا وودّا ومتانة، في العمل "من أجل بناء وطن يحلو العيش فيه".

                                                                                    بيروت، في 22/4/2016

   
   
  نرجو الإتصال بمدير موقعنا. Copyrights LLWR 2011©. كافة الحقوق محفوظة.