علم وخبر : 199/1970

المحتوى   
نشاطاتنا:

 كلمة السيدة عائدة نصر الله الحلواني في معركة

                  

ان يقدر للمرء المجيء الى الجنوب زائراً او متحدثاً، او مسهماً بطريقة ما في مشاركة الجنوبيين آمالهم وهمومهم – إنه لشرف له وسمو لشأنه... وإنه ليسعدني أن اتحدث على أرض طيبة، إلى نفوس زادها صمودها في وجه العدو صلابة وشفافية. 

 

ايها الحضور الكريم،

 

المناسبة التي نحييها اليوم، هي يوم المرأة العالمي الذي تعود جذوره إلى حادثة أليمة جرت في الثامن من آذار 1857، في مصنع للالبسة الجاهزة في نيويورك... نساء كنّ يعملن 16 ساعة في اليوم، بأجر زهيد وضمانات مفقودة... تنطلق حناجرهن مطالبة بحق، فيلقى القبض عليهنّ، فيسقط البعض ويسجن البعض الآخر.

 

حادثة يعيدها إلى الأذهان المؤتمر النسائي الأوروبي الذي عقد في كوبنهاغن العام 1910، رفضاً للحرب ودعوة الى السلام. في هذا المؤتمر، أعلن الثامن من آذار يوماً عالمياً للمرأة للاستذكار وأخذ العبر. ومن ثمّ، تمّ انتشاره في مختلف بقاع الارض، عندما تبناه الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي يوم تأسيسه العام 1945، واكتمل هذا الانتشار عندما اعترفت به هيئة الامم المتحدة وتبنته لمناسبة إعلانها العام 1975 سنة عالمية للمرأة.

 

انضمت لجنة حقوق المرأة اللبنانية الى الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي منذ تاسيسها العام 1947، فتبنت الثامن من آذار، وأدخلته الى لبنان، ودأبت على إحيائه بظروف صعبة، وكرسته محطة نضالية بين الأمس والغد، تسترجع فيه صوراً من الماضي البعيد والقريب لمسيرة المرأة في نضالها، فتجمع الحصاد على بيادر الحاضر، وتجدد مرة أخرى العزم والتصميم على الاستمرار، وتحيي آمال المرأة المؤودة في براعم الاحلام.. إنه لكذلك، وخاصة في الجنوب العزيز، حيث تغدو الأعياد استبسالاً وعطاء وتضحيات... والمرأة التي نحتفل بيومها العالمي، برهنت على أرض الجنوب انها مواطنة كاملة المواطنية، مساوية لشريكها الرجل في شروط الصمود والمقاومة، مساوية له في المعاناة والقهر والألم، في التخطيط وتنفيذ المهام بمنتهى الدقة والمسؤولية، بالنضال حتى الاستشهاد... فدحضت كل المقولات المشوهة لدورها، ورسمت الشرعية الحقيقية لحقوق المرأة.

 

واستمرت المرأة في العمل على خط مواز ضد التمييز اللاحق بها كامرأة، الذي أصبح يتنافى مع أبسط موجبات النهوض بالمجتمع والوطن، كما يتنافى مع المقومات الحضارية التي تفرض النظر الى المرأة والرجل كعضوين كاملي العضوية في المجتمع.

 

لا شك ان تغييراً نوعياً قد طرأ على وضع المرأة منذ مرحلة ستينات القرن الماضي الى اليوم، ولا شك ان إنجازات هامة قد أحزت، وأن واقعاً جديداً قد بدأ يفرض نفسه بمشاركة المرأة في الحياة العامة، وبإثباتها قدرتها  على الإبداع في ميادين الحياة كافة : الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية... ولكن، لم يتم الاعتراف لها بهذا الدور، وسوف يبقى الوضع، برأينا، على ما هو عليه من تهميش للنساء، طالما ان المجتمع يعتبر قضية المرأة قضية فئوية، وما يزيد من صعوبة المسألة  أن ما تطالب به المرأة، يرتبط ببنية النظام السياسي الطائفي والمذهبي، "والصيغة" المصطلح وصفها "بالفريدة". هذه الصيغة التي ابتدعها الاستعمار خدمة لمصالحه ولاستمرار سيطرته، والتي انتجت الى الآن خمس حروب أهلية، وتعد بالمزيد...

 

لا ريب ان الوضع السياسي في لبنان اليوم شديد التعقيد بالغ الخطورة، حيث تتنامى العصبيات في بؤر الجهل والفقر الحاضنة للتطرف، وحيث يتبارى الأزلام ويزايدون : بعضهم على البعض الآخر بالمذهبة والتطييف لتحقيق المصالح والغايات ولنيل الحظوة، واقعين في وهم التباري في حماية الطائفة أو المذهب، فتضيع حقوق الناس، ويهدد الوطن بالتشرذم والإنهيار كما هو حاصل.

 

فالخطر محدق بوطننا من كل جانب، والمسؤولون يتبارون بإلقاء الخطب المتلفزة، عاجزين عن درء الخطر، ممعنين في صم آذانهم عن الاقتراحات الجدية التي تضع الوطن على سكة الحل، غير مبالين بتحركات واعتصامات هيئة التنسيق النقابية مثلاً، ولا بحقوق الأساتذة والمعلمين والموظفين والمتقاعدين والمتعاقدين، ممتنعين عن تحويل سلسلة الرتب والرواتب المقرّة في مجلس الوزراء الى المجلس النيابي، رافضين ان تقتطع من أرباحهم أو أرباح أصدقائهم في الهيئات الاقتصادية نسبة، ولو صغيرة، لتغطية جزء مما تعوزه السلسلة، مصرين على إبقاء أبواب الفساد التي شرعها النظام الطائفي مفتوحة في كل المرافق. يواكب كل ذلك إعلام، جلّه إعلام طائفي ومذهبي محاصص ! ولانه كذلك، لا يمكنه الإسهام في صنع وطن، ولا في تعزيز الانتماء إليه. علماً ان حرية الإعلام مطلوبة، ولكن بمسؤولية وطنية بعيدة عن نقل التجاذبات المذهبية وتغذية النعرات.

 

لا شك ان المسألة صعبة، والحلول ليست سهلة، لكنها غير مستحيلة، إذا توافرت الإرادة السياسية الوطنية. ولا بد برأيي ان نبدأ من مفاصل تضع الأسس لوطن يظلله الأمن، تسوده العدالة والمساواة بين المواطنين رجالاً ونساءً، في جو من الديمقراطية الحقيقية التي تحترم حقوق المواطن الانسان :

 

-         المفصل الاول الأساس هو إقرار قانون انتخاب ديمقراطي يعتمد النسبية، ولبنان دائرة واحدة، خارج القيد الطائفي، يلحظ "كوتا" نسائية في المقاعد بنسبة لا تقل عن 30% إضافة الى اعتماد سن الـ 18 للاقتراع، وصولاً الى إلغاء النظام الطائفي وفصل الدين، الذي نجلّ ونحترم، عن السياسة. وتجدر الاشارة الى ان المراة اللبنانية قد حصلت على حقها السياسي منذ العام 1953 بعد نضال مرير، ولكن هل هي حرة فعلاً في ممارسة هذا الحق؟ في الوقت الذي تقيد ترشحها عوائق جمة، ياتي في مقدمتها الذهنية الذكورية المهيمنة، إضافة الى أعباء مادية، هي غالباً غير قادرة على تحملها. وهل المرأة حرة فعلاً، وهي مكبلة بقانون انتخاب لا ديمقراطي طائفي متخلف، لا يستطيع ان يوصل الى الندوة النيابية إلا فئة معينة من الرجال، وقلة قليلة من النساء المتشحات بالسواد. 

 

-         المفصل الثاني هو رفع التحفظ عن المادة 16 من الاتفاقية الدولية CEDAW، ( التي أبرمها لبنان العام 1996) واستحداث قانون مدني لبناني موحد للاحوال الشخصية، يسهم في خلق مساحة التقاء بين اللبنانيين، ويضع حداً للمشاكل الناجمة عن تعدد قوانين الاحوال الشخصية واختلافها (15 قانون لـ 18 طائفة) والمتفقة جميعها على التمييز ضد المرأة، ابتداء بسن الزواج، مروراً بمسالة الطلاق شبه المستحيلة في بعض المذاهب، والشديدة السهولة في مذاهب اخرى، وصولاً إلى انتزاع اولادها منها، وتعرضها للاهانة والضرب وراء أسوار تقاليد واعراف اجتماعية وقوانين تضجّ بالتمييز. 

 

-         المفصل الثالث هو رفع التحفظ عن البند (2) من المادة 9 من اتفاقية CEDAW، ورفع الغبن اللاحق بمئات العائلات، وذلك بإقرار المساواة بين الرجل والمراة في قانون الجنسية، وإقرار حق المرأة المتزوجة من غير لبناني، في إعطاء جنسيتها لاولادها.

 

المفصل الرابع هو تنزيه القوانين اللبنانية كافة من اي تمييز بين المرأة والرجل، خاصة فيما يتعلق بحقها في التعويض العائلي عن زوجها وأولادها إذا كانت موظفة. كذلك في قانون الضمان الاجتماعي وقانون العقوبات الذي يمثل كارثة حقيقية، حين ترغم المرأة على الزواج – تبعاً لبعض أحكام هذا القانون – ممن اختطفها او اغتصبها ! فتغتصب مرتين، وتقهر مراراً وتكراراً... 

 

-         المفصل الخامس هو إقرار قانون حماية المراة من العنف الأسري الراقد في الأدراج بالسرعة القصوى، لوضع حد للالم النفسي والجسدي الذي تكابده المراة خلف جدران المنازل...

 

أما الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المتفاقمة التي تهدد الناس أكثر فأكثر في لقمة عيشهم وصحتهم ومسكنهم وملبسهم ومدرسة أولادهم، فينبغي إيلاؤها الاهتمام الاستثنائي، وذلك بوضع آلية لمقاربة الحاجات الأساسية، واعتماد سياسات تحد من الفقر، إضافة إلى آليات تؤمن حلاً لمشكلة الدين العام، وتعزز القطاعات المنتجة، وتعالج مسألتي البطالة وهجرة الشباب. 

 

وأختم، في يوم المرأة العالمي الذي نحييه اليوم، مؤكدة أننا في لجنة حقوق المرأة اللبنانية، لن نتخلى عن ثوابتنا الوطنية والديمقراطية، ولا عن حقوقنا كنساء بالمساواة والمواطنة الكاملة ولا عن عزمنا في متابعة الطريق مهما كانت الصعوبات، غير غافلين عما يحيط بوطننا الصغير الحبيب من مخاطر، ولكن مقتنعين بصوابية ما نؤمن به، لإنقاذ الوطن وحمايته وتعزيز سلمه الأهلي. كما اننا لن نألو جهداً، وبالتعاون مع جميع القوى النسائية والديمقراطية الفاعلة وقوى المجتمع المدني، للوصول إلى وطن ديمقراطي علماني، يساوي بين الرجال والنساء في القانون والممارسة لتحقيق المواطنة الكاملة لكل اللبنانيين. 

 

تحية لبلدة معركة الأبية، تحية " لمعركة" تشيع في أفئدتنا فرحاً وسلاماً

 

تحية لكل المقاومين الوطنيين الشرفاء، ولكل المؤمنين بحق الشعوب في الدفاع عن نفسها

 

تحية للمرأة الجنوبية الطيبة المقدامة الباسلة

 

تحية للمرأة الفلسطينية المقاومة البطلة

 

تحية أخوية لكل النساء في العالم العربي

 

تحية لكل نساء العالم المناضلات ضد الحروب وضد الاسلحة الفتاكة ومن أجل الديمقراطية والسلام والمساواة 

 

عاش الثامن من آذار يوم المراة العالمي

 

عاش نضال المرأة اللبنانية في سبيل حقوقها

 

عاش لبنان حراً سيداً مستقلاً موحداً ديمقراطياً

 

 

                                                                        عائدة نصر الله الحلواني 

 

معركة في  15 آذار 2013

   
   
  نرجو الإتصال بمدير موقعنا. Copyrights LLWR 2011©. كافة الحقوق محفوظة.