علم وخبر : 199/1970

المحتوى   
نشاطاتنا:

 كلمة السيدة ليندا مطر

                                                                     المجلس الثقافي للبنان الجنوبي

                                                                                     7 آذار 2013

أيها الحضور الكريم،

مساء الخير

اسمحوا لي اولاً ان اتقدم بالشكر من الامين العام الاستاذ حبيب صادق ومن الهيئة الادارية للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي على دعوتي في هذه المناسبة المؤرخة في مسيرة لجنة حقوق المرأة اللبنانية، التي لي شرف الانتماء اليها، خاصة ان اللجنة احيت هذه المناسبة كأول نشاط  جماهيري لها منذ تأسيسها العام 1947.

ليس جديداً على المجلس الثقافي للبنان الجنوبي اعتبار يوم المرأة العالمي محطة من المحطات التي تجسد النضال، ان كان بالنسبة للمرأة او العمال، او المعلمين، او بالنسبة للاستقلال وغيرها من المناسبات الوطنية العامة التي لا تذكرنا فقط بما حدث، بل هي تحفزنا لمتابعة النضال مهما واجهنا من صعوبات، حتى تتحقق العدالة الاجتماعية والمساواة والسيادة والحرية  والديمقراطية. 

ايها الحضور الكريم،

المطلوب مني في هذه الامسية ليس سهلاً ، فالحديث عن الذات يربكني، لان ما قمت به لا يختلف كثيراً عما قام به عدد غير قليل من نساء بلادي. اما تجربتي فقد شكلت لدي مخزوناً من الاخفاقات والنجاحات ساعدتني على اعتبارها دروساً ينبغي الاستفادة منها. واود التاكيد انني قد تعلمت الكثير من مواطن الخلل ومن الاخفاقات، وتمرّست على تجاوز العراقيل ومواجهة التحديات.

من أنا ؟ انا مواطنة لبنانية اتيح لي خلال ستين عاماً من حياتي ان احصد رصيداً ثميناً لا يباع ولا يشرى، رصيداً اكتسبته بفضل اربع مدارس تعلمت فيها على التوالي احترام الانسان والدفاع عن حقوقه ومحاربة مسببي فقره وجهله ومرضه وتشرده، وصولاً الى الاسهام الفاعل في مواجهة التحديات على مختلف الصعد.

المدرسة الأولى : مدرسة راهبات الناصرة – الفرع المجاني – في هذه المدرسة تفتحت لديّ القيم الانسانية وتبرعمت. 

المدرسة الثانية : مدرسة العمل في معمل للكلسات ومعمل للحرير لفترة سنتين. في هذه المدرسة اكتشفت ظلم الانسان للانسان، وبدأت التساؤلات تطاردني :

-         لماذا هذا الظلم ؟

-         لماذا على العاملات ان يعملن 10 ساعات في اليوم مقابل أجر زهيد جداً ينلنه  نهاية الاسبوع؟ وأحياناً لا يكفي هذا المبلغ  لشراء الحاجيات الأساسية.

-         لماذا يحسم من أجر العاملة يوم كامل إذا تأخرت خمس دقائق ؟

-         لماذا لا تستطيع العاملة أن تشتري الدواء إذا تعرضت للمرض؟ فلا ضمان يحميها ولا رب عمل يساعدها. (هذه الاوضاع كانت سائدة في الخمسينات). وبقيت الاسئلة تسكنني دون ان أحصل على جواب لها. 

المدرسة الثالثة : في أوائل الخمسينات، بدأت الدراسة على مقاعد لجنة حقوق المرأة اللبنانية، بعد ان اطلعت على أهدافها واكتشفت انها تجيب على عدد كبير من التساؤلات التي كانت تشغلني وتربكني وتغضبني. وبدءاً من العام 1953 تدرجت في اللجنة من عضو في فرع إلى مسؤولة منطقة إلى أمينة سر إلى مسؤولية الرئاسة. 

لم يكن العمل في هذه المدرسة سهلاً، فقد واجهتنا عوائق كثيرة، أقلها كان منع لجنة حقوق المرأة اللبنانية من إحياء يوم المرأة العالمي. بدأت النضال في اللجنة مع العاملات. اللواتي شاركتهن المعاناة من الظلم والفقر والتعب المضني والاضطهاد، وتابعت عملي في صفوف اللجنة ولم ازل.  

بعد سنوات قليلة اتصلت بي شابة وأخبرتني انها تشارك في لقاءات فكرية ثقافية يجري فيها الحديث عن قضايا اقتصادية، اجتماعية وسياسية. وسألتني ان كنت ارغب بحضور هذه اللقاءات. أردت الاطلاع أكثر مما اطلعت عليه ومارسته عملياً في لجنة حقوق المرأة اللبنانية، فارتأيت ان أحضر مرة ثم أقرر بعدها: إما ان أتوقف أو أتابع. علمت بعد ذلك ان هذه اللقاءات يلتقي فيها مواطنون ومواطنات من مختلف الطبقات والأعمار والطوائف وتسمى حلقة الأصدقاء، والذي كان يتحدث فيها عضو مسؤول في الحزب الشيوعي اللبناني. 

 كان الحديث يدور حول أوضاع العمال والفلاحين وحول الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبعد عدة لقاءات، قررت الانضمام إلى الحزب الشيوعي اللبناني، وناضلت في صفوفه أكثر من عشرين عاماً.  

أيها الحضور الكريم،

بعد ان استلمت مسؤولية رئاسة اللجنة، المنظمة النسائية الديمقراطية الجماهيرية، التي تضم في صفوفها آنسات وسيدات من مختلف الآراء والعقائد، شعرت بنفسي عاجزة عن القيام بمهمتين. قدمت اعتذاري إلى الحزب الشيوعي الذي اعتبرته مدرستي الرابعة التي أجابت عن كل اسئلتي، فانسحبت من التنظيم الحزبي، وكرست كل وقتي للجنة حقوق المرأة اللبنانية، علماً ان المبادئ التي اكتسبتها واعتنقتها لم ولن تتغير.

ان الدروس التي اكتسبتها من هذه المدارس - والتي اظن اني كنت فيها تلميذة يقظة - لم تكن فقط ما اقراه او اصغي الى ما اسمعه، بل كانت مادة عملية تطبق بالتعاون مع الناس، خاصة هؤلاء الذين كانت في كثير من الاحيان وما زالت حياتهم شبيهة بحياتي. هؤلاء الذين واللواتي زودوني بالشهادات التي لم احصل عليها من الجامعة، هؤلاء الذين واللواتي ما زالوا حتى اليوم يفترشون الشوارع لانتزاع حقهم من سارقي الحقوق. او الذين واللواتي يقبعون في زوايا بيوتهم بانتظار مساعدات الشفقة التي تصلهم بالمناسبات

وهنا - مع شكري للذين واللواتي يقدمون المساعدات الخيرية - اسمح لنفسي ان اقول بان هذه المساعدات كان يمكن الاستغناء عنها لو قامت الدولة بدورها الرعائي ووفرت العمل والعلم والسكن والدواء والمستشفى للجميع. وفي رأيي ان ما يحصل عليه الانسان من مساعدات شفقة اعتبره ابرة مورفين يزول مفعولها بعد فترة قصيرة وتعود الاوجاع الى ما كانت عليه.

ولكن يبقى السؤال كيف ؟ ومن هوالمسؤول ؟

أترك الجواب على هذا السؤال إلى حضراتكم 

ايها الحضور الكريم،

          عندما اقول اني لم اضلّ الطريق التي اخترتها، اقولها بصدق وإخلاص. لقد اعطتني لجنة حقوق المرأة اللبنانية فرصاً كثيرة ليس فقط على صعيد لبنان بل كذلك على صعيد العالم، كون اللجنة عضواً فاعلاً منذ تأسيسها في الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي يضم منظمات نسائية من اكثر من 80 دولة، منها بعض الدول العربية.

لقد أسهمت اللجنة بكل المؤتمرات التي نظمها الاتحاد والتي تفوق الـ 80 مؤتمراً عالمياً، وكان لي الحظ ان اشارك بأكثر من نصفها. هذه  الفرصة ساعدتني على التعرف عن كثب على نضال نساء العالم. وهنا ايضاً يمكن القول بان ما يجمع النساء في العالم هو اكثر بكثير مما يمكن ان يفرقهن، خاصة بموضوع السلام ومنع الاسلحة الذرية وغيرها من الاسلحة الفتاكة. ولو استخدمت الاموال التي تصرف على آلية الموت، من اجل تطبيق شرعة حقوق الانسان بشكل صحيح، لاسهمت ببناء مجتمعات تسودها العدالة والمساواة.

الصديقات والاصدقاء، 

صدقوني ان قلت لكم بان مروري في هذه المدارس الاربع عرفني على واقع الناس نساء ورجالاً واطفالاً وعرف بعض الناس عليّ ان كان في لبنان او في البلاد العربية او في العالم.

صدقوني ان تجربتي خلال هذه السنين ساعدتني ليس فقط على احترام الرأي الاخر، بل كذلك ساعدتني - عند انتخابي العام 1996 رئيسة للمجلس النسائي اللبناني - على استيعاب كل الاراء ووجهات النظر المختلفة.

هذه التجربة ساعدت ايضاً على ابراز دور اللجنة في الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي وفي البلدان العربية التي يوجد فيها عدد من المنظمات الاعضاء في الاتحاد.

لا بد لي - قبل ان انهي كلمتي - من الاعتراف بالجميل لزميلاتي في اللجنة اللواتي كن وما زلن يتفانين في العمل على تنفيذ المهام على حساب راحتهن، خاصة ان العمل  في اللجنة ليس وظيفة، بل هو  عمل تطوعي. كذلك علي الاعتراف بانني -  لولا مساعدة زوجي ووالدتي - لما تمكنت من القيام بهذه المروحة من المهام والمشاركة في عدد كبير من المؤتمرات. 

أيها الصديق الاستاذ حبيب صادق

لقد اعطيتني 45 دقيقة لاتحدث عن تجربتي، ولكن هل استطيع ان اقيّم انا تجربتي ؟ اليس من الافضل ان اترك للحضور الكريم هذه المهمة ؟  لذلك اعتذر، واقول ان كلمتي المكتوبة انتهت، اما الاسئلة التي آمل ان توجه لي، فالاجابة عليها  ستغطي الدقائق الباقية. 

فشكراً لاصحاب الدعوة وشكراً لحضوركم، وانا على استعداد للاجابة عن كل الاسئلة التي توجهونها لي. 

                                                                   لجنة حقوق المرأة اللبنانية

                                                                             ليندا مطر

   
   
  نرجو الإتصال بمدير موقعنا. Copyrights LLWR 2011©. كافة الحقوق محفوظة.