علم وخبر : 199/1970

المحتوى   
نشاطاتنا:

 كلمة الدكتورة سميرة البياتي في حفل تكريم السيدة ليندا مطر

في حفل تكريم

السيدة ليندا مطر

ـــــــــــــــــــــــــــــ

د.سميرة البياتي

 

كنتُ لا أزالُ طالبةً أُحضِّرُ للدكتوراه عندما التقيتُ ليندا مطر في براغ.

إذنْ، ثلاثون عاماً، أو يزيد، مرَّتْ، منذُ تعرّفتُ أوّلَ مرَّةٍ، على السيدةِ ليندا مطر. الرفيقةُ ليندا مطر. المناضلةُ ليندا مطر. الصديقةُ ليندا مطر. النموذجُ والمثالُ ليندا. الإنسانةُ ليندا.

هل أُبالغُ؟! أبداً. إذ هكذا خبِرتُها، طوالَ معرفتي المديدةِ بها.. بكلِّ هذه الصِّفاتِ والألقابِ التي اجتمعتْ في شخصِ ليندا، الإنسانةِ التي أحببتُها واحْتَرَمْتُها كما الكثيرينَ غيري.

سنواتٌ أطول كثيراً مرتْ منذُ أنْ مشتْ ليندا مطر خطواتِها الأولى في دربِ النضالِ الطويلِ والشاق، دربٍ، سرعان ما أدركتْ جيداً أنَّ مسالِكَهُ تختلفُ عمّا تعودتْ بناتُ جنسِها، وأنَّ محطاتِه ليستْ ما ترَبَّى أترابُ جيلِها على الرغبةِ في استكشافِها، لكنَّها بالعزيمةِ التي مَهَرَتْ خَيارَها عبَّدتْ هذا الدربَ بجلاءِ الرؤيةِ وتوضيحِ الهدف، لتنضمَّ إلى قافلةٍ كانتْ تضمُّ قبلَها القليلات، واغتنَتْ بها لتستقطبَ كثيرات.

ابنةُ العائلةِ المستورةِ التي كانتْ صغيرةَ إخوتِها، ستنضجُ قبلَ الأوان. فهي، وقد كانتِ التلميذةَ النجيبةَ، ستضطرُّ لتركِ الدراسةِ مع نهايةِ المرحلةِ المتوسطة، لتنضمَّ إلى حياةِ الكدِّ عاملةً في مصنعٍ للجواربِ إحدى عشرةَ ساعةً تتواصلُ يومياً، ما جعل عينَيْها تتفتَّحُ على الشقاءِ الذي يعانيه من تُجبِرُهم لقمةُ العيشِ على تحمّلِ هذا العناء، ويتفتّحُ وعيُها على ضرورةِ العملِ من أجلِ رفعِ هذا الظلم.

...وكان لا بدّ للوعي أنْ تصقلَهُ المعرفةُ، ويتسلحَّ بالعلمِ، فوجدتْ ليندا ضالَّتَها في المدرسةِ الليلية، تكملُ تعليمَها وتشتغلُ مُدرِّسةً، وفي ذلك الوقتِ كانت على موعدٍ مع الانتقالِ إلى طورٍ جديدٍ لتعيشَ مِنْ بَعْدُ الحياةَ بكلِّ رحابتِها وتشعُّبِ مسؤولياتِها: زوجةً وأمّاً، لكنْ أهمُّ من كلِّ ذلك، ناشطةً نسويةً في البدايةِ، ثم قائدةً، تدرَّجت في حملِ المسؤوليةِ بكلِّ جدارةٍ وإتقان.

سنواتٌ طويلةٌ مرتْ منذ أن تردَّدَ، لأولِ مرةٍ، اسمُ ليندا مطر مقروناً بالدفاعِ عن قضايا المرأةِ اللبنانية. وعلى مرِّ تلك السنين بقيتْ في الصفوفِ الأولى، تحملُ اللواءَ وتساهمُ في نقلِ تلك القضايا إلى مقدمة الشأنِ العام، اهتماماً وحضوراً.

...ولا تزالُ المسيرةُ مستمرةً حتى اليوم. نبتةُ النضالِ الراسخةِ في الأرضِ، التي غرستْها رائداتُ العملِ النسويِّ اللواتي سبقنَ ليندا مطر، أينعتْ معها وأعطت ثمارَها، في العديد من الانجازاتِ والقوانين المُنْصِفةِ للمرأةِ في لبنانَ والمنطقةِ، وهو ما أغنى الحركةَ الديموقراطيةَ وأرسى أُسُسَ المساواة، ورسّخَ دورَ المرأةِ المشارِكةِ للرجلِ في النضالِ من أجل غدٍ أفضل.

ليستْ ليندا مطر مجرّدَ مناضلةٍ نسويةٍ ينحصرُ دورُها في نطاقِ بلدِها لبنان. إنها واحدةٌ من قِلّةٍ بين نساءِ المنطقة، ممن خطَّطنَ لِمَا قمنَ به وعملنَ لأجلهِ، في كتابةِ التاريخِ الحديث للمرأة العربية، وتعزيزِ حضورِها.

السيدة ليندا مطر، رئيسةُ لجنةِ حقوق المرأة منذ عام 1978، والمستمرةُ منذ ذلك التاريخ في الصفوفِ الأولى، التي اختارتْها مجلةُ ماري كلير الفرنسية سنة 1995 واحدةً من بين مائةِ سيدةٍ حرّكنَ العالم، العضوُ في قيادة الاتحاد النسائي الديموقراطي العالمي، هي ليندا مطر التقدميةُ المبدأِ والانتماءِ السياسيّ، التي لم تسمحْ لقيود السياسةِ والحزبية المتينة أن تحُولَ دونَ حراكِها الحرِّ في سبيلِ الشأنِ الاجتماعيِّ العام، بحيثُ جعلتْ من المبادئ دافعاً لا كابحاً، ومن الانتماءِ خلفيةً لا حاجزاً... وقد أكدتْ ذلك دون مواربةٍ حين تقولُ عن إيمانها بالمبادئ الاشتراكية "ما زلتُ أؤمنُ بها على طريقتي الخاصة". وليندا التي طالما حرصتْ على إبعاد العملِ الاجتماعيّ عن القيدِ الحزبيّ، لم تكنْ لجنةُ حقوق المرأة بالنسبة لها يوماً من أجلِ المرأةِ فقط. وفسّرَت ذلك بقولها "نحن نعملُ للمجتمعِ والإنسانِ والوطن، ومن ضمنِه المرأة".

لا شكَّ أنَّ ما تحقَّقَ لا يزالُ دونَ الطموحِ بكثير. فالمرأةُ اللبنانيةُ، وهي أفضلُ حالاً من أخَواتِها العربيات، لا تزالُ محرومةً حقوقاً تستدعي أنْ تخجلَ السلطاتُ من عدمِ إعطائها (حقُّ منحِ الجِنسيَّةِ لأبنائِها على سبيلِ المثالِ لا الحصر). ولا تزالُ المرأةُ اللبنانيةُ غيرَ ممثلةٍ، كما يجبُ، في المجلسِ النيابيِّ والحكومةِ والمواقعِ القيادية... لكن هل سيستمرُّ ذلك طويلاً؟

نعودُ إلى مسيرةِ نضالِ ليندا مطر وما تحق َّقَ خلالَها، لنستمدَّ الثقةَ بأنّ ذلك لن يستمرَ طويلاً. ونحن بذلك نستمدُّ الدافعَ من  ليندا مطر التي لا تزالُ أكثر شباباً في عزيمتِها النضالية.

اسمحوا لي، أن نتمنّى، باسمِ المجلسِ الثقافي للبنان الجنوبي، باسْمِنا جميعاً، العمرَ المديدَ والجميلَ لليندا مطر.

بيروت في 7/3/2013

 

     

 

   
   
  نرجو الإتصال بمدير موقعنا. Copyrights LLWR 2011©. كافة الحقوق محفوظة.